دور القبيلة و ما يجب لها و عليها.

مقالي اليوم بحث مختصر جداً عن دور القبيلة الإيجابي ومكانتها التي يجب أن تحافظ عليها وتطورها وتحرص على استخدام الوسائل الحديثة التي ترقى بها بين المجتمعات.
بعيدا عن العنصرية القبلية واحتقارها واستخدام اسمها ومكوناتها في ملتقيات فارغة أو مزيانات إبل عقيمة لا تخدمها اجتماعيا وجغرافيا وتاريخيا , علاوة على ما يحدث فيها من خلافات ونزاعات لا تنتهي . وإسراف وبذخ محرم. وحيث قد سبق لي مقال عن ذلك تحت عنوان ” ملتقيات القبيلة وشيخها. على هذا الرابط.

http://www.alaan.cc/pagedetails.asp?cid=52&nid=124221

كان العرب في الجاهلية يتكوّنون من قبائل كبيرة وصغيرة, وكانت هناك تحالفات وحروب بين هذه القبائل, حيث كانت القبيلة على الأغلب تحارب وتسالم وتهاجر بشكل جماعي, وشكّلت القبيلة الوحدة الأساسية في المجتمعات العربية في الجاهلية والإسلام, فكانت العصبية القبلية هي العنصر الأساس في اجتماع وتكاتف القبيلة فيما بينها, كما كان الانتماء إلى القبيلة عنصراً من عناصر الحماية الفردية. فالفرد في القبيلة يذود عنها والقبيلة بدورها تدافع عنه, حيث قوة الفرد من قوة القبيلة

وعندما جاء الإسلام بقيت التشكيلات القبلية ذاتها, ولم تتغير كثيراً بل إن القبائل حاربت لنصرة الإسلام ضمن الجيوش الإسلامية كوحدات قبلية. فقد عمل القادة المسلمون الأوائل للحافظ على التشكيل القبلي كي يكون عنصر تضامن وتمازج يشد بعضه بعضاً ضمن الوحدة القبلية في مواجهة العدو المشترك, ومن أجل أن يمنع الحزازات القديمة من الظهور, فإن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أدرك بثاقب بصره إن هذا النظام يكون أكثر صلاحاً إذ جمع بين القبائل المشتركة في النسب أو المترابطة بروابط القربى.

يقول سهيل زكار: استفاد النبي صلى الله عليه وسلم في مكة من العصبية القبلية, حين تمتع بحماية عمه وعشيرته له, واستمر الحال بعد وفاة الرسول حيث دوّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدواوين على أساس قبلي, حيث بدأ بآل البيت ثم الأقرب لهم من بني عبد مناف ثم الأقرب لهم في قصي ثم الأقرب لهم في (فهر) ثم أقرب قبائل مضر لقبيلة قريش ثم بقية القبائل العدنانية ثم القبائل القحطانية. ثم تبعه عثمان وعلي.

وعلى الرغم من قيام الفتوحات الكبرى, وانتشار القبائل العربية في الأقاليم ظل النظام القبلي معتمداً, وبدلاً من ذوبان القبائل في نظام مجتمعات البلدان المفتوحة, حدث ما هو العكس, حيث تبنّت الشعوب المفتوحة النظام القبلي عن طريق الولاء. لقد هاجرت قبائل عربية بكاملها من الجزيرة إلى العراق مثل بجيلة, وإلى بلاد فارس وما وراء النهر وإلى أفريقيا وقد استقرت هناك وحافظت على وحدتها القبلية وأصولها وجذورها.

وقد نجح البدو في عصر انهيار سلطة الخلافة العباسية , وقبل وقوع الغزو السلجوقي التركي, في إقامة دولة خاصة في سوريا وبلاد ما بين النهرين, بقيت سلالاتها الحاكمة في السلطة طوال عقود كثيرة, امتدت أحيانا إلى أكثر من قرن كامل , مثلما حصل في حلب والموصل والحلة. ومن أشهر ملوك البدو آل مراء من ربيعة طيء ملوك برية الحجاز ونجد والشام والعراق . وكذا آل حميد ملوك الإحساء .
وفي تكوين الدول العربية في العصر الحديث, لعبت القبائل والعشائر دوراً أساسياً في تبلور شكل هذه الدول, فهناك قبائل أُدمجت في الدول الحديثة الناشئة مثل سورية والعراق وفلسطين, وأصبحت جزءاً من المجتمع المستقر الحضري حيث إن المكونات الحضرية قوية بحكم وجود الأرض الزراعية وقوة التكوين المدني ووجود سلطة الدولة. وهناك قبائل سيطرت على قبائل أخرى لتؤسس دولة قبليّة كبيرة كالمملكة العربية السعودية, وهناك قبائل تحولت إلى دويلات أو إمارات كالكويت, وقطر, والبحرين, والإمارات. يقول عالم الاجتماع الكبير الدكتور علي الوردي: إن المجتمع العربي هو أكبر معين للبداوة في العالم. إن التناقض بين الحضارة والبداوة كبير فإما أن نكون متحضرين أو نعود إلى الصحراء, فلا انتقاء ولا توافق ولا انسجام بين قيم البداوة والحضارة ( 1).

أقول : وفي مرحلة تأسيس المملكة العربية السعودية , لعبت القبيلة الدور الأكبر في هذا المجال , قبل نشأة حركة الإخوان حيث شاركت في معارك عديدة منها معركة الشنانة والبكيرية 1322هـ , وروضة مهنا 1324هـ, ووقعة أبو دخن 1330هـ ووقعة جراب وكنزان 1333هـ وغيرها من الوقائع , وفي تلك الحقبة عاش معها عبدالعزيز وتنقل بين مرابعها في غالب سنينه .
ولما بدأت حركة الإخوان كان قوامها وعتادها هم قبائل البدو , الذي سكنوا المستوطنات الحديثة , وبدأوا في شن الهجوم على من يخالفهم تارة بأمر عبدالعزيز بن سعود وتارة بغير أمره . وقد كان لكل بطن منهم مستوطنة خاصة به , لها أمير مدعوم من ابن سعود . وقد تعددت المستوطنات وكان ابن سعود في حاجة ماسة لها , لقد آمن بدورها , وجنى ثمار كفاحها , وقد عاشوا في وئام مع من كان معهم من الحاضرة , حيث كانت بعض المستوطنات هي في الأصل لعوائل من حاضرة نجد. مثل (الأثلة , ضرية) وغيرها.

لم تُقصَ القبيلة فيما مضى من تاريخها ولم تهمش ولم تمس كرامتها ولا نقصت مكانتها . فهي داعم كبير . قامت بدورها المنوط بها دون تقصير أو كلل . ولم نسمع أحدا قال إن بناء مستوطنة أيام حركة الإخوان لكل بطن يعد عنصرية وعصبية جاهلية بل كانت هذه الفكرة تحظى بالدعم والتشجيع, وتنعت بأجمل النعوت , وأجزل العبارات .

فما بال بعض الأقلام اليوم تحاول النيل والمس من كرامة القبيلة خلال عبارات همز ولمز , وتقليل ومحاولة إقصاء وتهميش . حتى أن من يختم نسبه باسم قبيلة ما , يكاد لا يأخذ نصيبه الذي هو حق مشروع له. إلا بشق الأنفس , وكأنه عنصر غريب دخيل لا قيمة له. إنها الطبقية المقيتة والفئوية البغيضة التي أتى الإسلام لمحاربتها , بل لقد استفحل الأمر حتى أن هذا التصرف جعل بعض صغار العقول من أبناء القبيلة يلغي اسم القبيلة من هويته, لقد نجح هذا الفكر في أن يجعل ابن القبيلة يجلد ذاته , ويلقي باللوم على قبيلته ويقلب لها ظهر المجن ويتنكر لها . نتيجة حرب شعواء غزت عقولهم حتى فككت اللحمة. وقد يتعذر بعضهم أن هذا العمل إنما هو حيلة منه لمحاولة الاندماج في أوساط المجتمع حتى يصل إلى حقه الذي صعب عليه حينما كان اسمه ينتهي بذكر قبيلته . لقد فقدت القبيلة كثيرا مما كانت تتميز به , في ظل فئوية سيطرت على غالب مفاصل موارد الحياة. وثبت بطلان قول من يزعم أن القبيلة مصدر العنصرية .

( 1) «البدو», ماكس أوبنهايم, تحقيق: ماجد شبّر, ج1, ص ص8 ـ 10. و79.و « فتح الباري», ج6, ص160.

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: